ابن كثير
60
البداية والنهاية
قضائها الحجاج بن أرطاة ، وعلى السند منصور بن جمهور ، وعلى فارس محمد بن الأشعث . وعلى أرمينية وأذربيجان والجزيرة أبو جعفر المنصور ، وعلى الشام وأعمالها عبد الله بن علي عم السفاح ، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد . وعلى خراسان وأعمالها أبو مسلم الخراساني ، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك . وحج بالناس فيها داود بن علي . ذكر من توفي فيها من الأعيان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الأموي ، آخر خلفاء بني أمية ، فقتل في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة كما تقدم ذلك مبسوطا ، ووزيره عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي ، الكاتب البليغ الذي يضرب به المثل ، فيقال وفتحت الرسائل بعبد الحميد ، وختمت بابن العميد . وكان إماما في الكتابة وجميع فنونها ، وهو القدوة فيها . وله رسائل في ألف ورقة ، وأصله من قيسارية ثم سكن الشام ، وتعلم هذا الشأن من سالم مولى هشام بن عبد الملك وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يكتب بين يديه ، وعليه تخرج ، وكان ابنه إسماعيل بن عبد الحميد ماهرا في الكتابة أيضا ، وقد كان أولا يعلم الصبيان ثم تقلبت به الأحوال أن صار وزيرا لمروان ، وقتله السفاح ومثل به ، وكان اللائق بمثله العفو عنه . ومن مستجاد كلامه : العلم شجرة ثمرتها الألفاظ ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة . ومن كلامه وقد رأى رجلا ( 1 ) يكتب خطا رديئا فقال : أطل جلفة قلمك وأسمنها ، وحرف قطتك وأيمنها . قال الرجل : ففعلت ذلك فجاد خطي . وسأله رجل أن يكتب له كتابا إلى بعض الأكابر يوصيه به ، فكتب إليه : حق موصل كتابي إليك كحقه علي إذ رآك موضعا لأمله ، ورآني أهلا لحاجته ، وقد قضيت أنا حاجته فصدق أنت أمله . وكان كثيرا ما ينشد هذا البيت : - إذا خرج الكتاب كان دويهم * قسيا وأقلام القسي لها نبلا وأبو سلمة حفص بن سليمان ، هو أول من وزر لآل العباس ، قتله أبو مسلم بالأنبار عن أمر السفاح ، بعد ولايته بأربعة أشهر ، في شهر رجب . وكان ذا هيئة فاضلا حسن المفاكهة ، وكان السفاح يأنس به ويحب مسامرته لطيب محاضرته ، ولكن توهم ميله لآل علي فدس أبو مسلم عليه من قتله غيلة كما تقدم ، فأنشد السفاح عند قتله : إلى النار فليذهب ومن كان مثله * على أي شئ فاتنا منه نأسف كان يقال له وزير آل محمد ، ويعرف بالخلال ، لسكناه بدرب الخلالين بالكوفة ، وهو أول من سمي بالوزير وقد حكى ابن خلكان : عن ابن قتيبة أن اشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل ، فكأن السلطان حمله أثقالا لاستناده إلى رأيه ، كما يلجأ الخائف إلى جبل يعتصم به .
--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : هو إبراهيم بن جبلة .